• الصحة: وصول 4 أكياس أشلاء لضحايا حادث شرم الشيخ
  •   
  • ارتفاع حصيلة ضحايا حادث شرم الشيخ إلى 33 قتيل وأكثر من 40 مصاب
  •   
  • جيش الاحتلال الإسرائيلي يواصل شن غاراته على قطاع غزة
  •   
  • المتظاهرون يقطعون طريق صان الحجر - الزقازيق في الشرقية
  •   
  • شلل مروري أعلى كوبري أكتوبر بعد تصادم سيارة ودراجة بخارية
  •   
  • إسعاف جنوب سيناء: 39 مصاب في حادث شرم الشيخ وجار حصر الوفيات
  •   
  • أهالى سيناء يحتشدون أمام مستشفى طور سيناء للتبرع بالدم لمصابى حادث شرم الشيخ
  •   
  • مواجهات عنيفة بين الشباب وقوات الاحتلال الإسرائيلي غرب رام الله
بلال فضل

بلال فضل

"كان عندك إيدز وراح"!

سواء حصل اللواء ابراهيم عبد العاطي صائد الفيروسات على جائزة نوبل في الطب عن اكتشافه مع فريق من القوات المسلحة علاجاً يقضي على فيروسات الإيدز والتهاب الكبد الوبائي وانفلونزا الخنازير، أو انضم اكتشافه إلى قائمة الضلالات الطبية المبينة التي تجلب الشنار لمن روّجها بين المتعلقين بآمال الشفاء، فالمؤكد أن علاقتنا بالكفتة لن تعود كما كانت أبدا، ليس فقط لأننا سنتذكر الإيدز كلما اشتهيناها، بل لأن الكفتة ـ كما الكوسة والبطيخ من قبلها ـ ستصبح سمة عصر ومنهج حياة. في مشهد سيقف التاريخ فوقه طويلا، يقف الرجل الأسمر النحيل "الكُبّارة" أمام صف من القادة العسكريين قائلا بشموخ تحسده عليه الجبال الرواسي: "ثقوا اننا هزمنا الإيدز ولم ولن نستورد في يوم من الأيام مصلاً لعلاج يكلف مصر أحد أبنائها إيفن ون بنس، الإيدز يتفتت ويصبح زي ما باقول في الأمثلة، باخد الإيدز من المريض باديهوله صباع كفتة يتغذى عليه، باخد المرض واديهوله غذاء وهذا قمة الإعجاز العلمي، أشكر السيد المشير الذي اهتم بالبحث وكان كرباج لإنه قال مقولات بترن في أذني لحد دلوقتي: إحنا في الديل ومش عايزين نفضل في الديل إحنا عايزين نقفز وهذه هي القفزة الأولى إن شاء الله".

 

سمعت ما قاله الرجل لأول مرة فبكيت من فرط الضحك، حين أدركت أنه لم يعد لي مستقبل في كتابة الكوميديا، "هعلِّي على الدماغ دي إزاي؟"، لكنني عندما شاهدت المؤتمر الصحافي الكامل الذي عقدته القوات المسلحة لإعلان اكتشافها الطبي، بكيت من القهر بعد اصطدامي بحقيقة مخيفة: "الناس دي مصدقة نفسها جداً يا معلم".

 

عندما يُعلن اكتشاف لعلاج التهاب الكبد الوبائي، لشعب هو الأكثر معاناة في العالم من هذا المرض اللعين، كان ينبغي أن يخرج الملايين من أبنائه إلى الشوارع شاكرين مهللين مبتهجين، فلماذا إذن توقف الكثيرون عند موضوع الكفتة دون سواه؟ ولماذا لم يظهر حتى على كثير من هواة التفويض المجاني أنهم يثقون تماما في الإكتشاف العجيب؟ ولماذا خاصموا عاداتهم بالقعدة على الساقطة واللاقطة كما كانوا يفعلون أيام سيء الذكر مرسي واكتشفوا فجأة خطأ السخرية في بلاد تحترق، وأهمية "التوقف والتبين" وضرورة التثبت والتمحيص؟ الإجابة ببساطة: لأن "الدخلة كانت غلط بأكثر مما يمكن احتماله". قطعاً كان سيختلف استقبال المصريين، على اختلاف توجهاتهم لنبأ كهذا، لو كانت قد أعلنته نخبة من كبار العلماء المصريين في الداخل والخارج، يعلنون للشعب تأكدهم من معايير البحث العلمي التي حكمت مراحل الإكتشاف الطبي (تخيل مثلا لو كان العالم المصري محمد غنيم بجلالة قدره هو الذي تحدث للشعب عن الإكتشاف، بدلاً من مجموعة مسؤولين لا تأمنهم على علاج إصبعك "المدوحس").

 

لذلك عندما تقوم كسلطة حاكمة بتقديم "العلاج المعجزة" في سياق حملات التطبيل المحمومة التي تتواصل لإيصال المشير السيسي إلى مقعد الرئيس الضرورة، وعندما يتحدث مكتشف العلاج عن خطف الاستخبارات الحربية له لتنقذه من جهات أجنبية عرضت عليه "إتنين مليار دولار وتنسى الجهاز"، فليس عليك بعدها أن تغضب ممن تركوا "فيروس سي" ومسكوا في "صُباع الكفتة". وليس عليك أن تلوم الذين يحملون السيسي مسؤولية ما سيجري من تداعيات تتوالى يوماً بعد يوم، لأن المسألة منذ البداية تم تصويرها كمنجز جرى تحت رعاية تعليماته بأن "نقفز من الذيل"، لكن لأنك لم تقم، كعادة كل حكام البلاد، بعمل "الصح"، فقد جاءت قفزتك واسعة، لكن إلى ماهو أبعد من الذيل بكثير.

 

منذ عهد المتنبي وما قبله، ومصر تبهر العالم بمضحكاتها المبكيات، لكن "النكتة دي جديدة" ومتفردة في حزنها ومرارتها وعبثها الذي لم يكن ينقصه إلا أن يدعو المشير السيسي إلى مؤتمر صحافي عالمي يحضره نخبة من علماء العالم، ليقوم، وعدلي منصور وقادة الدولة جميعاً، بحقن أنفسهم بالفيروسات التي يؤكد الإكتشاف علاجها، ثم يتم علاجهم بالجهاز العجيب على الهواء مباشرة، لكي يخسأ الخاسئون، ويدركوا أن في مصر رجالاً لا يسمحون بالإساءة إلى سمعة القوات المسلحة. لكن ستصبح لدينا، عندئذ، مشكلة جديدة، هي أن الملايين ستخرج إلى الميادين مطالبة بتفويض اللواء ابراهيم عبد العاطي كرئيس للجمهورية، بوصفه صاحب أهم اختراع طبي في التاريخ الحديث، وربما تعرّض الرجل لمحاولة اغتيال بإصبع كفتة مسموم، لإحباط المؤامرة الغربية التي ستمنع السيسي من تولي سدّة الحكم وسدّها من بعده.

 

لم يدع الواقع العبثي مجالا للمزيد من العبث، ولذلك دعوني أشهد الله وأشهدكم أنني أتمنى مخلصاً صحة اكتشاف القوات المسلحة، فلئن يشفي الله مريضاً واحداً خير لي من حُمُر النِّعَم، ولذلك أحاول أن أضع نفسي مكان كل حالم بالشفاء، فألوم كل من يملك يقيناً مطلقاً بخطأ الاكتشاف وخطله. لكني أيضاً ألوم كل من يملك يقينا مطلقا في إعجازه وإنجازه، لأن المعرفة العلمية قائمة بطبعها على الشك لا اليقين، وهو ما لم يدركه الجهابذة الذين ربطوا تجربة علمية، ما زالت في طور الشك والتجريب، بالقوات المسلحة التي يفترض أن تقوم علاقتها بالشعب على الثقة المطلقة. وربما تصرف هؤلاء بهذه الرعونة لأنهم يعلمون أنه، حتى لو ثبت أنه ليس للإكتشاف أي قيمة علمية، أو ثبت أن أثره أضأل بكثير مما تم الإعلان عنه، فلن يُحاسَب أحد على تلك الخطيئة. فلا مجال لحق المحاسبة في بلد لم يعد يمتلك المواطن فيه سوى حقوق التصفيق والتهليل وتفويض الأمر لأولي الأمر في الأجهزة السيادية الشامخة التي هي أحنّ عليه من نفسه، وأعلم بمصلحته منه، ونافعته أكثر ممن خلّفوه.

 

لذلك، "المسألة المصرية" الآن أعقد من جهاز الكفتة أو كفتة الجهاز. المسألة أن جوهر السياسة في مصر يلخصه مشهد ظهر في الفيلم الترويجي للإكتشاف المعجزة، يقول فيه اللواء عبد العاطي بشموخه المعتاد لمريض يرقد منكسراً على السرير: "إنت كان عندك إيدز وراح"، فيجيب المريض الذي كاد أن يؤدي التمام "الحمد لله يا فندم". وهو بالضبط الأداء ذاته الذي تنتظره سلطة الجنرالات من كل مواطن صالح حين تقول له: "إنت كان عندك إخوان وخفّيت.. إنت كان عندك ببلاوي وراح .. إنت كان عندك ديموقراطية انت مش قدها.. انت كان عندك أمل انساه عشان جبنا لك أمل على مقاسك"، فلا يملك المواطن حق الإعتراض أو التحفظ أو الشك، ولا يبقىفي بمقدوره إلا أن يقول مستسلماً: "تسلم الأيادي يا فندم".

مقالات إخرى للكاتب